محمد غازي عرابي
1048
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
والإنسان الكامل المتعين في النبي والولي له مشرق آخر في مغرب آخر ، ومشرقه الثاني ظهور الروح الذي كان مخفيا فيه معلنا ها أنذا وعندئذ تنكشف النفس عن أنها روح ، ويكشف الروح عن أنه ليس أنا فقط بل هو نحن أيضا ، وهذا ما أعلنه هيغل بحق ، فالمشرق الثاني الانتباه من النوم الذي يغط فيه الناس أجمعون إلا من رحم اللّه فأيقظه وأدخله في رحمته ، وتداركه نعمته ، وأدخله في الصالحين ، ومتى ظهر الروح ، فظهر على الفكر ، ومحقه ، فني الإنسان العادي ، وظهر الإنسان الكامل كنوع ظاهرا في فرد ، وهذا الظهور هو ظهور المشرق الثاني في المغرب الثاني ، وهذا ما ورد في حديث الرسول عن أشراط الساعة ، ومنها طلوع الشمس من المغرب ، فالجسم هنا صار إليها أيضا ، وهذا ما دل عليه الحديث القدسي ، صرت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، أي أن قوى اللّه هي قوى العبد ، ويصبح العبد من ثم اسم اللّه الظاهر ، قد استبدل بأنيته أنية إلهية ، وبصفاته صفات إلهية ، وصار على التحقيق هو نيابة واستخلافا ، وخلع الحق على عبده المصطفى والمجتبى خلع الألوهية الأحدية وحلاه بالحقائق الصمدانية في شهود الوحدانية ، قال أبو يزيد البسطامي لما بلغ هذا المقام : رفعني - أي اللّه - مرة ، فأقامني بين يديه ، وقال لي : يا أبا يزيد ، إن خلقي يحبون أن يروك ، فقلت : زينّي بوحدانيتك وألبسني أنانيتك ، وا رفعني إلى أحديتك ، حتى إذا رآني خلقك قالوا : رأيناك ، فتكون أنت ذاك ، ولا أكون أنا هناك . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 19 إلى 25 ] مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 ) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 23 ) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 25 ) [ الرحمن : 19 ، 25 ] سبق أن تحدثنا عن البحر العذب والبحر المالح الأجاج ، وقلنا إن البحر الأجاج هو الأصل ، وإن البحر العذب نتيجة له ، متفرع عنه ، وقائم به ، والإشارة إلى الوجود الجامع للوجودين الحقي والخلقي ، ومذهب أرسطو كله لا يفصل هذا عن ذاك ، وإن كنا قد أخذنا عليه قوله بقدم المادة وبجهل اللّه لما يحدث في عالم الجزئيات ، ومذهب هيغل يتبع مذهب أرسطو مع رفع الثنائية والعودة إلى الواحدية ، أو الأحادية المعتدلة التي قالت بها المذاهب والأديان الهندية الموحدة ، ويعد مذهب ابن عربي وحدة جامعة للوجودين الروحي والمادي ، وموسوعة دينية فلسفية بيّنت كيف تخرج الكثرة من الواحد ، وكيف يخرج الواحد من الكثرة ، وكيف أن الكثرة هي الواحد وإن تكثرت ، وأن الواحد هو الكثرة مع بقائه في هويته واحدا . والآيات تبين الغاية من خلق البحرين قائلة إنه يخرج من البحرين اللؤلؤ والمرجان ، وهما إشارتان إلى جميع ما في الوجودين الروحي والمادي من معقولات ومقولات وكليات ، سواء